مجتمع

طريق الرشوة والابتزاز: مراسلة تونس الرقمية ترافق تجّارا تونسيّين إلى الجزائر وتنقل كواليس الرحلة‎

بعد توتّر الأوضاع الأمنية بليبيا خلال السنوات الأخيرة تراجت وتيرة المبادلات التجارية البينية عبر معبر راس الجدير الواقع بمعتمدية بنقردان من ولاية مدنين ومعبر ذهيبة وازن بولاية تطاوين ما أثر على دخل عديد العائلات التي تعتمد كليا على هذين المعبرين لكسب قوتها..

ولتدارك الأمر أصبحت الجزائر قبلة التجار التونسيين خاصة أمام تراجع قيمة الدينار الجزائري مقابل الدينار التونسي .. تجّار يخرجون في سفرات مشتركة مستعملين سيارات خاصة أو على وجه الكراء أو في اطار رحلات ينظمونها باستعمال حافلات سياحية.
هذه الرحلات يتكبد فيها التجار مشقة كبيرة حسب ما رواه عدد منهم لمراسلتنا بمدنين ، ولنقل حقيقة هذه الروايات رافقت مراسلتنا مجموعة من التجار في إحدى الرحلات الى الجزائر وفي ما يلي تفاصيل الرحلة التي عاشتها مع التجار ..

الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساء .. المكان طريق قابس قبالة محطة الحافلات وسط مدينة مدنين .. هنا التقى أربعة نساء يمتهن التجارة البينية ووافقن على أن أرافقهن خلال رحلتهن هذه .. وصلت السيارة التي ستقلهن على وجه الكراء وكانت من الحجم الكبير يقودها شاب تعود نقل التجار .
صعدنا إلى السيارة وانطلقت الرحلة ولاحظت أن المجموعة تعرف بعضها جيدا وحتى السائق بدا صديقا للمجموعة ، وبسؤالي لهم عن هذه العلاقة المقربة قالوا إنهم التقوا في أكثر من مرة في مثل هذه الرحلات حتى توطدت علاقتهم وتوسعت دائرة علاقاتهم، مشيرين الى أن أغلب التجار ينسقون مع بعضهم البعض للخروج وجلب السلع، فهم يخرجون مع اشخاص اخرين أيضا وعلاقاتهم جيدةمع الجميع فهم يعتبرون انفسهم عائلة واحدة يتقاسمون كل شيء طيلة رحلة الذهاب والعودة..

الطريق طويل والوصول يستغرق ساعات طويلة لذلك تجدهم يحاولون إلهاء أنفسهم عن طريق خلق أجواء خاصة حيث تجدهم يمزحون أحيانا ويغنون أحيانا وضحكاتهم تتعالى ..

مرت الساعات وصلنا المعبر الحدودي بحزوة الساعة كانت تشير الى الثانية فجرا .. سلمنا جوازاتنا إلى أعوان الجمارك لختمها وواصلنا الطريق باتجاه الجمارك الجزائرية وهناك استغربوا وجود صحفية مع مجموعة تجار حيث ان مهناي كانت مسحلة في جواز سفري تأخروا قليلا قبل ان يقرروا ختم جوازي والسماح لي بمواصلة الطريق..

بعد قليل وخلال تفتيش حقائبنا طالب احد الاعوان رشوة من احدى التاجرات لانها كانت تحمل ثلاث مصابيح اقتنها لمنزلها كانت ستستبدلها لان اضاءتها ضعيفة ولكن أشار عليه احد زملائه بوجود صحفية مع المجموعة فتراجع وغادر المكان وتم السماح لنا بمواصلة الطريق.

وصلنا الى وجهتنا وهي مينة واد سوف الواقعة بالجنوب الجزائري وهي مدينة يقصدها التجار التونسيون من ولايات الجنوب التونسي خاصة باعتبارها الأقرب اليهم ولتوفرها على مختلف السلع والبضائع من ملابس ومفروشات ومواد غذائية وغيرها ..

دخلنا الى أحد النزل وكان ممتلئا بالحافلات والسيارات التونسية لتجار اخرين.. تسلمنا غرفنا واتفقنا على الالتقاء في حدود الساعة السابعة صباحا للخروج إلى الأسواق ..

سيرا على الاقدام غادرنا النزل وكانت وجهتنا الأولى سوق عرف باسم سوق ليبيا وفيه محلات لبيع الملابس والاحذية بالجملة والتفصيل وما يلفت الانتباه هناك هو العد الكبير للتونسيين بهذا السوق حتى تخال نفسك ما تزال في تونس ..

وقبل التبضع كان لابد من تحويل العملة من تونسية الى جزائرية أو من الأورو الى الدينار الجزائري ، ويومها فوجئ التجار بتراجع قيمة الصرف ما جعلهم يقصدون أكثر من وجهة لتحويل أموالهم حتى ظفروا أخيرا بضالتهم لدى احد التجار الذي استجاب لهم بحكم معرفته بهم وتعاملهم معه في مرات سابقة ..

انطلقت رحلة التبضع وهنا افترقت المجموعة كل حسب حاجته وبقيت أنا برفقة اثنتين منهم .. دخلنا محلا لبيع الأحذية وقد استقبلنا بحرارة وحفاوة وبحديثي معه قال إنه يعرف العديد من التونسيين الذين تجاوزت علاقته بهم مجرد المصلحة التجارية الى الصداقة كما هو الحال مع هاتين التاجرتين ..

اختارت كلاهما حاجتها من هذا المحل على أن تعود لأخذ بضاعتها لاحقا وغادرنا باتجاه سوق آخر يعرف بسوق دبي وهناك تباع الملابس والمفروشات والأغطية بأسعار معقولة تضمن هامشا محترما من الربح للتجار، كما تباع العطور ومواد التنظيف وغيرها من السلع ..

انتهت رحلة التسوق باكرا على اعتبار أن المحلات تغلق أبوابها في حدود الثانية ظهرا فعدنا الى الفندق لتناول الغداء وأخذ قسط من الراحة قبل العوة باتجاه الأراضي التونسية ..

رحلة العودة انطلقت في حدود السابعة مساء حيث تمجعت المجموعة في بهو الفندق لتظيم سلعهم قبل تحميلها على متن السيارة التي اظطر سائقها الى نزع الكراسي الخلفية وتركها في النزل نظرا لأن كمية السلع كانت كبيرة بين عصائر والبسة وعطر وأغطية صوفية ..

غادرنا النزل ولم تكن المقاعد مريحة كما في رحلة الذهاب حيث اظطررنا الى وضع جزء من السلع معنا في مقدمة السيارة .. توقفنا عند مغازة كبيرة معروفة بالمنطقة وهناك استكمل التجار باقي مقتنياتهم وواصلنا الطريق .. وعلى بعد مسافة قصيرة من المعبر استوقفنا عون من الدرك الجزائري وطلب الجوازات والقى نظرة على حمولة السيارة وبعد اخذ ورد مع السائق تظاهر بانه سيطلب الجمارك لاعادتهم من حيث جاؤوا ثم طلب ما  مالا مقابل السماح لهم بالمواصلة وكان له ذلك لانه ان لم يتم الاستجابة لطلبه لن يسمح لهم فعلا بالمرور ..

دخلنا المعبر أوقفنا السيارة وترجلنا لختم الجوازات لدى الجمارك الجزائرية ولحسن حظهم لم يجدوا اعوانا متشددين حسب ما أكده التجار حيث لم يتم تفتيش السيارة وتم فقط سداد معلوم الجمارك، لكن المعلوم كان ثقيلا نوعا ما حسب تقديراتهم بناء على ما جاء في حديثهم بعد المغادرة، وقد قال التجار ان الديوانة الجزائرية أصبحت تضيق الخناق عليهم كثيرا متعمدين ويطالبونهم احيانا بدفغ رشوة ما أثر على هامش ربحهم الذي أصبح لا يعادل المشقة التي يتكبدونها.

وصلنا الى الديوانة التونسية وهناك كانت المعاناة  أكبر حيث كان لزاما عليهم إفراغ كامل حمولة السيارة للتفتيش والمعاينة وهو أمر معمول به ويتقبله التجار بصدر رحب رغم برودة الطقس والتعب الذي كان باد عليهم ..

وما لاحظته هو اللحمة بين التجار حيث  تقاسموا المعاليم الديوانية سواسية بغض النظر عن كمية السلع التي جلبها كل واحد منهم .. وما لفت انتباهي هو قيام عون بأخذ قطعتين من بضاعة احدى التاجرات بعد سداد المعاليم الديوانية وايضا قيام عون اخر باخذ غطاء صوفي من بضاعة تاجرة أخرى..

كما لفت انتباهي سؤال احد أعوان الديوانة عن ثمن لباس رياضي أعجبه خلال عملية التفتيش وقال إنه سيشتري قطعة منه وفعلا رفض أخذه دون مقابل وسدد ثمنه كاملا لصاحبة البضاعة قائلا إنه لا يقبل أن يأخذ شيئا بالمجان ..

واصلنا الطريق وعلى بعد بضع كيلومترات من المعبر التحقت بنا سيارة تابعة للحرس الوطني وتجاوزتنا وأشارت علينا بالوقوف .. نزل السائق للحديث معهم وتسلموا مبلغا ماليا بدورهم للسماح لنا بمواصلة الطريق ، وكانت تلك المرة الأخيرة التي يظطر فيها التجار الى دفع معاليم على بضاعتهم ..

واصلنا طريق العودة وخلد اغلبنا للنوم ومع بزوغ أشعة الشمس استفاق الجميع وعاد النشاط وعادت المجموعة الى الغناء والمزاح حتى الوصول الى ولاية مدنين اين افترق الجميع وقد اتفقوا على الالتقاء مجددا في رحلة نحو مدن جزائرية أخرى معروفة بمناطقها السياحة وبمدنها التجارية وهي كل من العلمة وقسنطينة وسطيف ..

الى هنا انتهت مهمتي لكن مهمة التجار لم تنه فعليهم ان يسوقو البضاعة التي جلبوها وان يسترجعوا راس مالهم وان يحققوا ربحا يعوض تعبهم ..

 

تعليقات

الى الاعلى